لبيب بيضون

157

موسوعة كربلاء

الفصل الرابع والعشرون : شهادة أبي عبد اللّه الحسين عليه السّلام سيد شباب أهل الجنّة مدخل الفصل : بعد أن استشهد العباس عليه السّلام انهدّ ركن الحسين عليه السّلام وانكسر ظهره لمصرعه ، وأصبح وحيدا فريدا بين الوحوش من الأعداء ( كأني بأوصالي تقطّعها عسلان الفلوات بين النواوويس وكربلاء ) . وقد عميت أبصارهم إلا عن جوائز يزيد وأحقاد نهروانية ضدّ علي عليه السّلام . فركب الحسين عليه السّلام جواده يقصد مشرعة الفرات ، بعد أن أخذ العطش منه مأخذه ومن الهاشميات والأطفال ، وهو يرتجز أشعاره الخالدة ، فأصابه سهم في حنكه الشريف . ثم حالوا بينه وبين رحله ، فرجع ليحمي نساءه ، وطلب من الشمر عدم التعرض لهن ، فأجابه إلى ذلك . ثم ما زال عليه السّلام يكشفهم عن المشرعة حتى وصل إلى الفرات . وحين همّ بأن يشرب ، ترامى له نبأ بتعرض القوم لرحله ، فرجع إلى المخيم ، فوجد أنها خدعة . عندها اغتنم الفرصة وودّع عياله الوداع الأخير ، وهو عازم على الموت ، وانطلق يغوص في الأعداء . وخاف شمر من بسالة الحسين عليه السّلام فطلب من عمر بن سعد أن يتفرق جيشه إلى ثلاث فرق للإحاطة بالحسين عليه السّلام ، ففعل . وظل الحسين عليه السّلام يحارب على فرسه حتى صار جسمه معقودا بالسهام كالقنفذ . فضربه رجل منهم بحجر فأصاب جبهته الشريفة ، ثم جاءه سهم ذو ثلاث شعب فوقع في قلبه . فخرّ عن جواده إلى الأرض ، ثم استوى جالسا . فخرجت أخته زينب عليها السّلام تخاطب عمر بن سعد مندّدة بأعماله البربرية . ثم صاح الشمر صيحته الثانية قائلا : ويحكم ما تنتظرون بالرجل ، اقتلوه . فاجتمعوا عليه يضربونه من كل جانب ، وهو ينوء ويكبو ، حتى سقط صريعا . وما زال يطلب الماء في تلك الحال وقد أعياه نزف الدم ، وهم يمنعونه منه ، وكأنه لم يبق في قلوبهم ذرة من الرحمة والشفقة .